سيد محمد طنطاوي
352
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
اى : * ( والَّذِينَ كَفَرُوا ) * في الدنيا بكل ما يجب الإيمان به * ( لَهُمْ ) * في الآخرة * ( نارُ جَهَنَّمَ ) * يعذبون فيها تعذيبا أليما . ثم بين - سبحانه - حالهم في جهنم فقال : * ( لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها ) * أي : لا يحكم عليهم فيها بالموت مرة أخرى كما ماتوا بعد انقضاء آجالهم في الدنيا ، وبذلك يستريحون من العذاب . ولا يخفف عنهم من عذاب جهنم ، بل هي كلما خبت أو هدأ لهيبها ، عادت مرة أخرى إلى شدتها ، وازدادت سعيرا . والمراد أنهم باقون في العذاب الأليم بدون موت ، أو حياة يستريحون فيها . * ( كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ) * أي : مثل هذا الجزاء الرادع الفظيع ، نجزى في الآخرة ، كل شخص كان في الدنيا شديد الجحود والكفران لآيات ربه ، الدالة على وحدانيته وقدرته . . وقوله - تعالى - : * ( وهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ) * بيان لما يجأرون به إلى ربهم وهم ملقون في نار جهنم . ويصطرخون ، بمعنى يستغيثون ويضجون بالدعاء رافعين أصواتهم ، افتعال من الصراخ ، وهو الصياح الشديد المصحوب بالتعب والمشقة ، ويستعمل كثيرا في العويل والاستغاثة . وأصله يصترخون ، فأبدلت التاء طاء . وجملة * ( رَبَّنا أَخْرِجْنا . . . ) * مقول لقول محذوف . أي : وهم بعد أن ألقى بهم في نار جهنم ، أخذوا يستغيثون ويضجون بالدعاء والعويل ويقولون : يا ربنا أخرجنا من هذه النار ، وأعدنا إلى الحياة الدنيا ، لكي نؤمن بك وبرسولك ، ونعمل أعمالا صالحة أخرى ترضيك ، غير التي كنا نعملها في الدنيا . وقولهم هذا يدل على شدة حسرتهم ، وعلى اعترافهم بجرمهم ، وبسوء أعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا . وهنا يأتيهم من ربهم الرد الذي يخزيهم فيقول - سبحانه - * ( أَولَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيه مَنْ تَذَكَّرَ ، وجاءَكُمُ النَّذِيرُ . . . ) * . والاستفهام للتوبيخ والتقريع ، والكلام على إضمار القول ، وقوله * ( نُعَمِّرْكُمْ ) * من التعمير بمعنى الإبقاء والإمهال في الحياة الدنيا إلى الوقت الذي كان يمكنهم فيه الإقلاع عن الكفر إلى الإيمان . و * ( ما ) * في قوله * ( ما يَتَذَكَّرُ فِيه ) * نكرة موصوفة بمعنى مدة . والضمير في قوله * ( فِيه ) * يعود إلى عمرهم الذي قضوه في الدنيا .